غزة/ سماح المبحوح:
فوق تلة ترابية شاهقة الارتفاع وقف الخمسيني أبو حمدي الشاعر يحدق مطولا نحو أرضه في منطقة ميراج شرق مدينة خان يونس والألم يعتصر قلبه بعد أن ابتلعها "الخط الأصفر"، وباتت تحت سيطرة قوات الاحتلال الإسرائيلي التي حولتها إلى موقع عسكري يشكل خطر كبير على كل من يفكر الاقتراب منه.
منذ قرابة العامين لم ينقطع المزارع الشاعر بين الفنية والأخرى عن زيارة أرضه ويقطع مئات الأمتار من خيمته وصولا إليها، حيث يقف يحدق بها ثم يعود أدراجه والدموع تملأ مقلتيه، حسرا وألما على فقدانه مصدر رزقه الوحيد.
قبل الحرب كان يبدأ يومه مع شروق أشعة الشمس، متجها إلى أرضه، يزرع بها البذور والأشتال الموسمية، بصحبة قرابة العشرين شابا، وفق قوله
ويضيف المزارع الشاعر لـ "الاستقلال:" كنت أمتلك أرض مساحتها 22 دونما، منها 6 دونمات مزروعة بأشجار الزيتون، و4 دونمات حمامات زراعية بها بندورة وخيار وباذنجان وأشتال من الفليفلة، والباقي زراعة مكشوفة مزروعة فلفل وبطاطا وبصل وغيرها، كما يوجد فيها بئر مياه وغاطس 20 حصان وألواح طاقة شمسية، في الحرب الاحتلال لم يبقي لي شيء، استولى عليها وعلى كل شيء فيها".
يوضح أن أرضه كانت من ضمن الأراضي الزراعية في محافظة خان يونس التي تعرف بالسلة الغذائية لقطاع غزة، لكن الاحتلال خلال الحرب الجارية حول الواقع الجميل للمزارع الفلسطيني لكابوس، لا يقوى عليه.
ويتابع:" اليوم أصبحت وحوالي 30 عائلة كانت تعتاش مما تنتجه الأرض نعيش في خيام، دون أي مصدر دخل ثابت، نعتمد على المساعدات الغذائية"، مؤكدا أنهم جميعا يمنون زوال الاحتلال والعودة إلى الأرض.
وتبلغ مساحة الأراضي الزراعية في قطاع غزة نحو 170 ألف دونم، أي ما يقارب نصف مساحة القطاع، تتركز في شماله وجنوبه وشرقه، لا تتجاوز المساحات المزروعة حاليا عن 5% من إجمالي الأراضي الزراعية، بعد تجريف نحو 87% من الأراضي الزراعية، خاصة تلك الواقعة شرق "الخط الأصفر" التي تشكّل 62% من إجمالي الأراضي.
وكشفت معطيات وتحليلات حديثة عن تصاعد مساعي "إسرائيل" لتثبيت ما يُعرف بـ "الخط الأصفر" داخل قطاع غزة، وتحويله تدريجياً إلى خط حدودي فعلي، عبر تمركز عسكري متزايد وبناء بنى تحتية ومواقع دائمة، في ظل غياب مؤشرات واضحة على الانسحاب من هذه المناطق.
وفي وقت سابق، ذكرت صحيفة "هآرتس" العبرية، استناداً إلى تحليل صور أقمار اصطناعية ومصادر أمنية، أن قوات الاحتلال كثّفت خلال الأشهر الأخيرة انتشارها على طول هذا الخط، من خلال إنشاء مواقع عسكرية جديدة، وتنفيذ أعمال بنية تحتية واسعة، ونقل معدات وتجهيزات، إلى جانب إقامة حواجز ترابية تمتد لعشرات الكيلومترات، بما يعزز الطابع الدائم لهذا الخط.
وتشير المعطيات إلى أن "الخط الأصفر"، الذي أُعلن عنه عقب وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، يضع نحو 54% من مساحة القطاع تحت السيطرة الإسرائيلية، مع استمرار القوات في توسيع نطاقه ميدانياً عبر تجاوز حدوده المعلنة، من خلال وضع كتل إسمنتية، وهدم مبانٍ، وتهجير سكان من مناطق إضافية.
وفي ظل ذلك، يعيش نحو 2.1 مليون فلسطيني في أقل من نصف المساحة التي كانوا يقيمون فيها قبل الحرب التي بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وسط أوضاع إنسانية قاسية، حيث يقطن مئات الآلاف في خيام أو مبانٍ مدمرة، مع تراجع حجم المساعدات الواصلة إلى القطاع.
يمر بأسوأ مراحله
يؤكد م. بهاءالدين الأغا مدير التربة والري في وزراعة الزراعة في غزة، أن القطاع الزراعي في غزة يواجه صعوبات جمة، ويمر بأسوأ مراحله منذ عقود، بفعل سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على حوالي 62% من الأراضي الزراعية على مستوى قطاع غزة بما فيها محافظة خان يونس التي كانت تعد السلة الغذائية للقطاع، داخل ما يسمى "الخط الأصفر" الذي فرضه شرق وشمال وجنوب القطاع، وبفعل القيود المفروضة على دخول المستلزمات الزراعية، ما أدى إلى انهيار الإنتاج المحلي وتراجع المساحات المزروعة بشكل حاد.
ويقول الأغا لـ "الاستقلال" إن قرابة 94% من الأراضي الزراعية في القطاع بما فيها الموجودة في محافظة خان يونس باتت خارج نطاق الزراعة الفعلية، لوجود عدد منها داخل الخط الأصفر، وأراضي أخرها يسكنها نازحين، وغيرها دمر الاحتلال البنية التحتية فيها، كذلك يمنع ادخال مدخلات الإنتاج الزراعي"، مشيرًا إلى أن ما يُزرع حاليًا لا يتجاوز 5% إلى 6 % من إجمالي الأراضي الصالحة للزراعة".
يوضح أن الاحتلال عمل على تدمير البنية التحتية للأراضي الزراعية، والتي تشمل الآبار ومحطات الضخ والمضخات وشبكات الري والخطوط الناقلة وغيرها، كما يمنع ادخال مدخلات الإنتاج الزراعي، كالأشتال والبذور، والأسمدة الكيماوية والعضوية التي كانت تنتجها الثروة الحيوانية في قطاع غزة ويعتمد عليها المزارعين، لكن الاحتلال قضى عليها.
ويضيف:" حتى في المناطق التي يمكن للمزارعين الوصول إليها، تواجه الزراعة تحديات كبيرة تتعلق بانعدام فرص الاستثمار والاستصلاح، نتيجة استمرار الحصار ومنع إدخال المستلزمات الزراعية، والتكلفة الباهظة للمستلزمات والمدخلات الموجودة وهي قديمة ومخزنة منذ أكثر من عامين وهو ما يجعلها ضعيفة الجودة وغير خاضعة للرقابة، مما ينعكس سلبًا على كمية ونوعية الإنتاج".
ويشدد الآغا على أن سياسة الاحتلال تهدف إلى تدمير القطاع الزراعي بشكل ممنهج، مضيفًا:" قبل الحرب كان القطاع الزراعي حقق اكتفاءً ذاتيًا بنسبة 115%، وكانت غزة تصدر نحو 15% من منتجاتها الزراعية إلى الضفة الغربية ودول الخليج".
ويبين أن الاحتلال يتحكم كليًا في المعابر ويدير حركة البضائع وفق مصالحه وما يدخل لقطاع غزة، فحول سكانه لمستهلكين لا منتجين، مشددا أن إعادة تأهيل القطاع الزراعي لن تكون سهلة أو سريعة، في ظل استمرار الحصار وقيود الاحتلال على المعابر.
أقل من 2%
ويؤكد أمين سر الاتحاد العام للفلاحين والتعاونيين الزراعيين الفلسطينيين في خان يونس نظمي شعت، أن السلة الغذائية في قطا غزة تعرض إلى ضربة قاسية بفعل التهام الخطر الأصفر لمناطق واسعة كانت تعبر من المناطق الزراعية الرئيسية في القطاع سواء كان شرق مدينة رفح وشرق مدينة خانيونس، بالإضافة الى منع الكثير من المستلزمات الزراعية من دخول القطاع.
يقول شعت لـ" الاستقلال" فإنه في عام 2022 كان الإنتاج الزراعي في غزة يشكل أكثر من 10% من الناتج المحلي ويوفر آلاف فرص العمل، لكن اليوم ينتج أقل من 2٪ بسبب مصادرة الأراضي ووقوعها فيما يسمى بالخط الأصفر وقلة المستلزمات الزراعية ومنع دخولها.
ويضيف:" الإنتاج الزراعي في قطاع غزة تعرض للانهيار مما يشكل ظاهرة خطيرة جداً، فقبل الحرب حققت غزة اكتفاء ذاتي بنسبة لا تقل عن 100% من إنتاج الخضروات وكانت تصدر الفائض للخارج، أما الآن وصل النقص إلى أكثر من 90% والأسعار ارتفعت إلى 500.
يؤكد أنهم ينظرون بقلق شديد لما تبقى من الأراضي الزراعية التي تفقد خصائصها الكيمائية، بسبب ازدحام الأرض بالنازحين والنقص في مصادر المياه وزيادة ملوحتها من الاستخدام الزائد لتلبية احتياج النازحين.
تفاقم انعدام الأمن الغذائي
وفي توصيف هذا الواقع، قال الخبير الاقتصادي ماهر الطباع إن القطاع الزراعي يعد من أكثر القطاعات التي تعرضت للتدمير، مشيرا إلى أن " إسرائيل" استهدفت الأراضي الزراعية، خاصة في المناطق الشرقية التي تمثل الجزء الأكبر من السلة الغذائية للقطاع.
وأوضح في تصريحات صحفية أن "إسرائيل" تسيطر على أكثر من 60% من تلك المناطق، في حين لم يتبق سوى 40% داخل ما يُعرف بالخط الأصفر، مما أدى إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي.
كما أشار إلى أن القيود المفروضة على إدخال مستلزمات الزراعة، مثل الأسمدة والبذور والأشتال، زادت من صعوبة الإنتاج الزراعي، وعمّقت الأزمة الغذائية.
الخط الأصفر... يلتهم سلة قطاع غزة الغذائية
تقارير وحوارات


التعليقات : 0